مجلة طبيبي - إعداد د. عبدالرحمن لطفي

جنون الهلوسة والرقص الجماعي: هل كان تسمماً أم مرض نفسي؟

تاريخ النشر 2015-06-25
[b]

واعتقد العديد من المراقبين للوضع أن الراقصات والراقصين قد مستهم روح شريرة وأنه يتم تنفيذ طرد تلك الأرواح الشريرة بهذه الطريقة. وأخذ الناس في المدينة يصلون أيضا إلى سانت جون، والذي كان يعتقد البعض أنه قد يكون مسؤولا عن ذلك السلوك الغريب. وكان يتم تشجيع الموسيقيين للعب جنبا إلى جنب مع الراقصين، ثم إبطاء الموسيقى بعد ذلك أملاً في حملهم على التوقف. ولكن في الواقع كانت الموسيقى تحفز المزيد من الناس للانضمام الى الرقص.

بعض الراقصين كانوا يتمرمغون في التراب، يأنون ويتصرفون مثل الحيوانات. أما الآخرين فقد قاموا بخلع ملابسهم وبدأوا في ممارسة الجنس مع الراقصين الآخرين.



هناك عدة نظريات لهذا الجنون المفاجيء الذي حدث لتلك المجموعة من الناس. أحد التفسيرات التي اقترحت كان التسمم الشقران ergot poisoning. والشقران هو نوع من الفطريات التي تنمو وتتطفل على الحبوب، وعند تناولها، يمكن أن تسبب الهلوسة، المماثلة لتأثيرعقاقير الهلوسة LSD ولكن هذا لا يفسر السبب في أنه يسبب الرقص ويؤثر على الجميع بنفس الطريقة. ويعتقد البعض الآخر أن ذلك قد تم على مراحل من قبل أعضاء طائفة دينية، وأنه كان نوعا من الطقوس القديمة المحظورة اليونانية الرومانية والتي لولاها لكانت هناك عقوبة قاسية أو الموت على حد ظنهم.

ولكن التفسير الأكثر شعبية هو أن هوس الرقص كان واحدا من أشكال الهستيريا الجماعية المتصلة بالإجهاد الطائفي. وتلك المنطقة من ألمانيا عانت فيضانات رهيبة قبل بضعة أشهر. ومرة واحدة شاهد الناس راقصون يتمايلون، وأصبحوا مضطرين إلى الانضمام إليهم. وبعد ما يقرب من قرنين من الزمان، وقع اندلعت حالة رقص جماعي مماثلة في ستراسبورغ، بفرنسا، تلك البلدة التي كانت قد عصف بها وباء الزهري والجدري والجذام والطاعون الدملي والجوع المرضي. وبدأت الحالة مع امرأة واحدة فقط، اسمها فراو تروفيا، حيث بدأت ترقص وحدها دون توقف في الشارع.

واستمر هذا لعدة أيام، ثم انضم لها آخرين حتى وصل العدد تقريبا إلى 400 من اهالي البلدة. واستمر ذلك مدة شهر تقريبا وكان الأطباء يعتقدون ان الراقصات والراقصين يعانون من "الدم الحار،" حيث أوصوا بأن أفضل علاج يتمثل في السماح لهم بالاستمرار في الرقص. حيث تم تخصيص أماكن مخصوصة في سوق البلدة للسماح لهم بالرقص فيها. ولكن مرة أخرى أخذت هستيريا الرقص تزداد إلى أن لقي العديد منهم حتفهم من النوبات القلبية والسكتات الدماغية أو الإرهاق.

وقد حدثت أكثر من حالة هستيريا جماعية لا يمكن تفسيرها في تنجانيقا في عام 1962 حيث بدأت ثلاث فتيات صغيرات بالضحك الهيستيري دون حسيب ولا رقيب وانتشر ذلك في المدرسة. وعلى مدى الأشهرالقليلة التالية، كان أكثر من نصف طلاب المدرسة يعانون من تلك الهيستيريا إلى أن تم إغلاق المدرسة بسبب ذلك. وامتد وباء الضحك الى القرى المجاورة، ونتيجة لذلك تم إغلاق 14 مدرسة في نهاية المطاف لأن الطلاب لم يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة. واستمرت تلك الحالات الهيستيرية حيث انتابت ما يقرب من 1000 شخص، معظمهم من الأطفال في سن المدرسة، حيث استمرت الهستيريا لأكثر من عام.



وجد بحث أجراه أستاذ في جامعة بوردو أنه على الأرجح كان السبب في تلك الحالات هو ما يعرف باسم المرض النفسي الثقيل أواختصاراً MPI Mass Psychogenic Illness ويعتقد أنه ينبع من التوتر المشترك في المجتمع. "وهو عادة ما يحدث في مجموعة من الناس ليس لديهم الكثير من الطاقة، وأوضح في مقابلة مع صحيفة شيكاغو تريبيون أن هذه الطريقة هي الملاذ الأخير لأولئك الذين يتمتعون بوضع منخفض. وانها طريقة سهلة بالنسبة لهم للتعبيرعن أن هناك شيئا خطأ. وهذا قد يكون السبب في أن تلك الحالة قد تكون مرتبطة في كثير من الأحيان مع النساء.

وأشار إلى أن تنجانيقا كانت قد حصلت لتوها على استقلالها في ذلك الوقت وأن بعض الفتيات المتضررات أبلغت انهن كن يشعرن بالكثير من القلق والإحباط بشأن التغيرات العميقة التي حدثت في البلاد في تلك الفترة.

الأحدث اضافه