مجلة طبيبي - إعداد د. عبدالرحمن لطفي

مَن هي زائرة المتنبي في الليل؟

تاريخ النشر 2015-08-13
[b]

ولا بد أن الحمى تدين لأبي الطيب المتنبي بتحويلها من مجرد حالة طبية مرضية إلى كائن حي في أذهان الناس، إذ شبهها بفتاة حييّة تريد زيارة حبيبها فلا تجد سوى الليل يسترها بظلمته، ولكن الحبيب لها كاره فيقدم لها فاخر الفراش لتجلس عليه وتبتعد عنه، إلا أنها تأبى المكث في غير عظامه.



وزائرتي كأن بها حياءً .. فليس تزور إلا في الظلام

بذلت لها المطارف والحشايا .. فعافتها وباتت في عظامي

ولكن المتنبي على الأرجح لم يكن يعرف الكثير من الحقائق عن الحمى التي أصبحنا نعرفها اليوم، وأولها أنها تنتج عندما يصدر منظم الحرارة في الجسم "التيرموستات" أوامره برفع حرارة الجسم، وهذا المنظم ليس سوى منطقة في الدماغ تسمى "تحت المهاد"، وهي في حجم حبة الحمص أو البازلاء تقريبا.

"إن كان للعشق علامات تظهر على أصحابه، فإن للحمى كذلك أعراضا تدل على بلوغها عتبة الجسم ودقها الباب"
وفي الحالة الطبيعية تعمل تحت المهاد على تنظيم درجة حرارة الجسم وإبقائها حول 37 درجة مئوية، أما في بعض الحالات مثل التعرض للعدوى، فإنها تقوم بتغيير درجة حرارة الجسم وزيادتها، ولذلك فإن الحمى ردة فعل من الجسم على ظرف صحي معين.

ولعملية رفع الحرارة هذه فوائد، إذ يعتقد أنها تساعد جهاز المناعة على التصدي للعدوى ويجعل الجسم بيئة أقل ملاءمة للجراثيم. كما أن ارتفاع حرارة الجسم يرشد الشخص أو المحيطين به إلى وجود خطب ما يتطلب التصرف.

زيارة ليلية

وفي العادة لا تبقى درجة حرارة الشخص ثابتة طوال اليوم، فهي تكون أقل في الصباح وترتفع مساء، ولعل هذا قد يكون تفسيرا محتملا لشكوى المتنبي من زائرته التي تصر على زيارته في المساء فقط.

وتختلف خطورة الحمى باختلاف مريضها، فبالنسبة للأطفال الرضع هي أكثر تأثيرا وأشد خطورة، ولذلك يجب مراجعة الطبيب فورا عند ارتفاع درجة حرارتهم. أما بالنسبة للكبار فإن الحمى قد لا تكون مؤشرا خطيرا إلا إذ بلغت أو جاوزت 39، وعلى جميع الأحوال فإن استشارة الطبيب أمر ضروري حتى لو كانت الحمى خفيفة، وخاصة إذا استمرت لفترة من الزمن ورافقتها أعراض أخرى.

كما أن هناك الكثير من الأمراض التي لا ترتبط بحمى شديدة، ولذلك فإن درجة الحمى ليس المؤشر الوحيد على خطورة المرض، والطبيب هو الشخص القادر على تقييم ذلك.

بطاقات الدعوة

ولكن من يوجه الدعوة إلى الحمى لتأتي إلى الجسم وتمكث في عظامه كما حصل مع صاحبنا أبي الطيب؟ والجواب هو مجموعة من الأسباب مثل العدوى البكتيرية والفيروسية، والتطعيم، والإصابة ببعض الالتهابات، والتعرض للإجهاد الحراري -وهو ظرف يشبه ضربة الحر ولكنه أقل حدة منها، وعادة إذا لم يعالج فإنه يتطور إليها- والتعرض لحروق ناجمة عن الشمس.

كما تشمل أسباب الحمى بعض الأدوية والإصابة ببعض أنواع السرطان وأمراض المناعة الذاتية حيث يهاجم جهاز المناعة جسم صاحبه.

وإن كان للعشق علامات تظهر على أصحابه، فإن للحمى كذلك أعراضا تدل على بلوغها عتبة الجسم ودقها الباب، وتشمل الارتجاف والتعرق، والجفاف وفقدان الشهية، وألما في العضلات والشعور بالضعف، وتتطور مع تفاقمها إلى تهيجات وتشنجات وهلوسات، وهي مضاعفات قد تكون خطيرة أيضا على الجسم.

متى تشعر بالقلق؟

يجب أن تُشعرك الحمى بالقلق إذا أحضرت معها رفيقات أخرى مثل القيء وعدم الاستجابة والتهيج ورفض الطعام والشراب بالنسبة للرضع والأطفال، والصداع الحاد والتقيؤ وآلاما في البطن وطفحا جلديا، وصعوبة في التنفس وارتباكا وتحسسا من الضوء الساطع أو تصلبا في العنق بالنسبة للبالغين، إذ إن هذه الأعراض قد تشير إلى وضع خطير مما يستلزم مراجعة الطبيب فورا.

"إذا زارتك الحمى ليلا على استحياء أو صباحا بكل استعلاء، فلا تفعل مثل صاحبنا المتنبي الذي لم يكن أمامه سوى كتابة الشعر، بل أبرز لها أنيابك كما يفعل الليث، واطردها مستعينا بالطبيب"

وتقسم الحمى إلى قسمين: عرضية، وهي الحادثة إما عن الورم، أو الحركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد. ومرضية: وهي ثلاثة أنواع:وهى لا تكون إلا في مادة أُولى، ثم منها يسخن جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حُمَّى يوم، لأنها في الغالب تزول في يوم، ونهايتُها ثلاثة أيام، وإن كان مبدأُ تعلقها بالأخلاط سميت عفنية،

وقال بعض الأطباء فيما رواه ابن القيم : إنَّ كثيراً من الأمراض نستبشر فيها بالحُمَّى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحُمَّى فيه أنفَع من شرب الدواء بكثير، فإنها تُنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضُرُّ بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئةً للخروج بنضاجها، فأخرجها، فكانت سبباً للشفاء.
وقد ورد في علاج الحمى حديث رواه الترمذي في جامعه: "إذا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ الحُمَّى وَإنَّ الحُمَّى قِطْعةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطفئهَا بالمَاءِ البَارِدِ، ويَسْتَقبِلْ نَهْراً جارياً، فَلْيستقبلْ جَرْيَةَ المَاءِ بعدَ الفَجْرِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وليقلْ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وصَدِّقْ رَسُولَك. وينغمِسُ فيهِ ثلاثَ غَمَسَاتٍ ثلاثةَ أيامٍ، فإنْ بَرِىءَ، وإلا ففِى خمسٍ، فإن لمْ يبرَأْ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكادُ تُجاوز تسعاً بإذنِ اللهِ"

الأحدث اضافه