مجلة طبيبي - إعداد د. عبدالرحمن لطفي

الزهراوي باعتراف الغرب كان أكبر الجراحين في العالم منذ 1000 سنة

تاريخ النشر 2012-03-08
المرجع الطبي الأكثر شهرة في أوروبا كان من تأليفه الزهراوي ونظرياته مازال الجراحون يستعينون بها حتى الآن
مَن هو مخترع الجراحة التجميلية في العالم؟ إنه الزهراوي


ولد أبو القاسم الزهراوي الإنسان الذي قدر له أن يغير علم الطب. في مدينة الزهراء،تلك المدينة التي بناها عبدالرحمن الناصر منذ قرابة الألف عام بجوار قرطبة لتكون عاصمة جديدة للأندلس. وقد أصبح الزهراوي الطبيب الشخصي للحكم الثاني، أو كما كان يعرف بلقبه الآخر، المنتصر. وقد كانت جهوده الكبيرة التي بذلها لتطوير الطب قد جعلته من أشهر جراحي زمانه. بل إن معاصريه من أطباء أوروبا ومن تلاهم رأوا فيه المرجعية العلمية الأكبر حتى من جالينوس _ الجراح الأسطوري القديم. وحقيقة هذا بادية في أن معظم الكتب الجراحية في العصور الوسطى كانت تشير إلى الزهراوي أكثر من جالينوس.

كتاب واحد فقط ألفه للزهراوي. هو كتاب " التصريف لمن عجز عن التأليف" والذي كان يمثل الموسوعة الطبية الأعظم في زمنه كما كان يوفر أساساً جيداً لاستنباط المعلومات عن منهجه العلمي وإلى حد ما عن حياته.
في "التصريف" يضع الزهراوي خلاصة بحوثه وعمله في الطب طوال حياته وخصوصاً في الجراحة. هذه الموسوعة الضخمة مجموعة في 30 مجلداً وضعها الزهراوي على مدى خمسين عاماً تقريباً من عمله في الطب. وفيه يقدم أوصافاً مفصلة لعلوم الطب ويشمل موضوعات في الحمل والولادة وطب الأطفال وتشريح وبنية جسم الإنسان والجراحة وطب العظام والعيون وعلم الأدوية، بل وحتى التغذية. ويقدم الزهراوي بالتفصيل الأعراض المبكرة لكل مرض ثم ينتقل لتعداد أسبابه المحتملة قبل أن ينهي بذكر طريقة العلاج لهذا المرض. وفي سياق ذلك، يبحث ويوضح في طريقة تحضير الأدوية المطلوبة وإعطائها للمريض وأدوات العلاج اللازمة. ويتضمن ذلك الأدوية المقيئة وأدوية القلب والمعدة والمسهلات وأمراض الشيخوخة والطب التجميلي والطب الغذائي و خواص المواد والأوزان والمقاييس والبدائل الدوائية.
ولقد أصبح "التصريف" مرجعاً شديد الأهمية في العديد من العلوم والأعمال ذات الصلة بالطب. وعلى سبيل المثال، أثبت الكتاب أهميته الشديدة في طب الطفولة والأمومة بما فيه من نصوص حول الحمل والولادة وصحة الطفل.كما أن طبيعة كتابة الزهراوي ومناهجه المتبعة في التعليم والعلاج توضح لنا شخصيته. إذ يبدو لنا رجلاً ذو ميول إنسانية جداً. وهذا ليس نتيجة لمهنته فحسب، فهو لم يكن يرعى مرضاه فقط، بل ومريديه أيضاً. كان يستمتع بتقديم علمه لتلاميذه ومناقشتهم بالمسائل الطبيعية، وهو الذي كان يدعوهم في كتابه بأبنائه. علمهم الزهراوي أن يحترموا مرضاهم بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية وأن يطوروا علاقة جيدة بين الطبيب وكل مريض من مرضاه.
المجلد الأكبر في "التصريف" وهو الثلاثون والأخير كان مخصص بالكامل للجراحة تحت عنوان "في الجراحة"، وهو المؤلف العلمي الجراحي الأول المعروف لنا كما أنه كان أفضل مرجع في العالم في العصور الوسطى.
والمثير للدهشة هو أن الزهراوي غالباً ما يعتبر في أوساط الطب المعاصر مخترع الجراحة التجميلية. وبالفعل، فقد أجرى الزهراوي عمليات جراحية يمكن تعريفها بكل وضوح على أنها شكل من الجراحة التجميلية قبل حوالي ألف عام من الآن. وفي كتابه "التصريف" يتحدث الزهراوي عن مجموعة كبيرة من الحلول والطرق للعمليات التجميلية، بعضها لايزال يستخدم حتى اليوم من قبل أفضل جراحي التجميل المعاصرين. على سبيل المثال، استخدم الزهراوي الحبر لتحديد المسار الدقيق على الجلد للجرح قبل الشروع بالعملية وهو ممارسة شائعة اليوم. ويقول الزهراوي في شرحه عملية تصحيح ضخامة الثدي نتيجة زيادة حجم الجلد التي لا يمكن علاجها بالاستئصال الغدي البسيط، يقول: افتح جرحين تكون حافتاهما متطابقتين، ثم استأصل الجلد والنسيج الغدي بينهما وخيط حافتي مكان الاستئصال. وهذه الطريقة لاتزال متبعة في بعض الحالات حالياً.
بدأت أعمال الزهراوي التي كانت ثمرة تكريس حياته كلها للطب باكتساب مكانتها العامة مع ترجمة كتاب "التصريف". انتقلت شهرته إلى غرب أوروبا أول مرة بفضل ترجمات نصوصه على يد جيرار دي كريمونا. وتبعتها ترجمات أخرى سريعاً مما زاد شهرة "التصريف" حتى في عصر النهضة الأوروبية. طبع "في الجراحة" أول مرة في البندقية عام 1471 ثم أعيد نشره في 1497 و1499. وفي القرن السادس عشر بلغت شهرة الكتاب ذروتها لتطبعه عدة دور نشر أوروبية شهيرة. مقدمة طبعة بييترو أرغالاتا عام 1531 تقول "بدون شك، كان الزهراوي أكبر الجراحين قاطبة." عودة الاهتمام بالطب في عصر النهضة ساعدت في جعل "التصريف" المرجع الطبي الأكثر شهرة. ومما ساهم في ذلك أيضاً بساطة الأسلوب القائم على التقديم الواضح والتفكير المنطقي. الجراح الفرنسي غاي دو تشولياك في كتاب "الجراحة العظيمة" الذي أنهاه عام 1363 ينقل عن "التصريف" أكثر من 200 مرة. كما ينقل جراح فرنسي شهير آخر هو جاك ديليشامب (1513- 1588) عن "التصريف" في مناسبات كثيرة جداً بشكل يعزز مرجعية الزهراوي في الطب وخصوصاً الجراحة طوال العصور الوسطى وحتى عصر النهضة.
مات الزهراوي ميتة طبيعية عام 1013 في مسقط رأسه الزهراء بعد عامين من خرابها بفعل هجوم للبربر. وواضح من سيرة حياته وكتاباته أنه كرس طوال حياته وكل عبقريته لتطوير الطب عموماً والجراحة خصوصاً. وإنجازاته الطبية كان لها أثر عميق على هذا العلم وهو ما يمكن أن نرى نتائجها حتى يومنا هذا.

الأحدث اضافه